|
حين يُذكر أهل العلم وأهل الهمم ، يبدأ
طائر السعد والفرح بتحريك أجنحته الربانية
في حنايا النفس ؛ ذلك بأن ذكرهم ذكر لله
تعالى ، وتذكير به ، فما تلبث النفس أن
تشعر بلذة هذا الطريق ، برغم صعوبته ،
وتنتشي من أخبارهم وسيرهم العطرة الزاكية
.
وهذا الذي قال عنه الإمام أبو حنيفة : "
معرفة السِيّر تغني عن كثير من الفقه " ؛
لأن هذه السير العطرة تحوي الفقه وزيادة ؛
ففيها التطبيق العملي الواقعي للفقه ،
وفيها العبر المتحركة النابضة التي تدل
على إمكانية التطبيق في أعلى نماذجه
.
منذ أن كان الأخ الحبيب " علي الصلابي "
يعيش في حدائق بنغازي العطرة ، كان " يحلم
" أن يكتب في التاريخ الليبي ، وظل هذا
الحلم يسكن داخل نفسه وروحه ، يتحرك كل آن
وحين ، ولم تمنعه دارسته الشرعية في
المدينة المنورة ـ على صاحبها أزكى الصلاة
والسلام ـ من السعي لتحقيق هذا الحلم ،
فظل هو الطالب المجتهد الأول دوما على
دفعته ، ظل يبحث عن حلمه وإمكانية تحقيقه
، يجلس مع أهل الاختصاص ، ويشتري الكتب
ويعكف عليها ، ويتكلم مع كل من زاره من
أهل البلد الطيب " ليبيا " عن هذا المشروع
الحلم ، بل يطالبونه بأن يحكي لهم عنه ،
وأين وصل فيه .
تفوق في جامعة المدينة المنورة بمرتبة
شرف ، رفعت اسم بلده عاليا ، ومن قبل اسم
أمته الماجدة ، ثم حاز على الماجستير
والدكتوراه من السودان الشقيق ، كلاهما في
القرآن الكريم ودراساته ، إذ الأخ الحبيب
" علي الصلابي " صاحب صلة " فريدة "
بالقرآن الكريم ، حفظا وتلاوة وفهما وعشقا.
ومع هذه الدراسات الأكاديمية بدأت
الخطوات العملية في تحقيق الحلم ، ليصبح
حقيقة ماثلة للعيان ، بل ويتسع الحلم
الجميل الواقعي أكبر مما كان عليه أول
الأمر ؛ فقد كان في أوله الكتابة في
التاريخ الليبي ، ثم أضيف له سير الخلفاء
الراشدين وسيرة النبي عليه الصلاة والسلام
، وتاريخ الدول الإسلامية وغيرها
.
إن الدكتور علي الصلابي ـ حفظه الله ـ
يمتاز بقدرته وصبره على البحث والتنقيب ،
حتى إنني أزعم أن هذه الميزة تندر اليوم
عند طلبة العلم اليوم ، بل والعلماء ،
وهذا واضح ومشهود له به من قبل القريب
والبعيد والصديق والحسود ، حتى أنك ترى
أثر القلم في يده وقد ترك أثرا لمكانه في
أصابعه المباركة .
لم ينل الدكتور علي الصلابي حقه في بيان
جهوده من قبل أهل بلده لهذه المجهودات
الضخمة التي بذلها ، فعمله اليوم ليس
قاصرا على ليبيا فقط ، وإنما تعداها ليصل
إلى الاهتمام بالأمة أجمع ؛ فقد انتشرت
كتبه في كل مكان ، وطبعت في أكثر من قطر ،
وترجم بعضها إلى لغات أخرى ، ونالت إحسان
وثناء أهل العلم الأفاضل
.
ففي المرحلة الأولى عندما صدرت عدة كتب
للدكتور علي الصلابي قال له أحد علماء
اليمن البارزين الربانيين : ( ليس عندنا
في اليمن من هو في مثل عمرك ويقدر يعمل ما
عملت ! ) وهي كلمة لها وزنها من أهل اليمن
، في حين كان يلقى الدكتور علي الكلمات
المثبطة من بعض الأحبة ! ، لكن الله يخلق
ما يشاء ويختار .
ويقول أحد الأساتذة البارزين من أهل
العراق وقد أشرف على مئات الرسائل
الجامعية ، يقول للدكتور علي الصلابي ( لم
اقرأ بحثا في سيرة النبي صلى الله عليه
وسلم كمثل كتابكم ) ! ولا زلت أذكر الكثير
من عبارات التثبيط التي وصلت من البعض حول
الكتابة في السيرة ، وأنه ما الذي سوف
يضيفه فيها؟
طبع اليوم من كتاب السيرة ( السيرة
النبوية عرض وقائع وتحليل أحداث ) أكثر من
مائة وخمسون ألف نسخة " 150.00 " من روسيا
إلى العراق إلى موريتانيا والجزائر
والخليج ومصر و أدغال أفريقيا وغيرها ،
وهذا من فضل الله تعالى وحده ، وتقبل
الناس الكتاب بقبول حسن ، في حين كتبَ غير
الدكتور علي الصلابي الكثيرون في السيرة ،
ولا تزال بحوثهم طي النسيان
.
إن تحديد الهدف ، والعزيمة على المضي
فيه ، وعدم الالتفات إلى غيره ، وقلة
الاكتراث بعبارات التثبيط والتجريح،
والتضرع المستمر إلى الله بالقبول ، وحسن
النية في العمل ، كل أولئك كانت من أسباب
النجاح للدكتور علي الصلابي حفظه الله
.
إن الداعية الواعي الموقن بمشروعه عليه
أن يستمر ويمضي في طريقه لا يبالي ، ما
دام على الهدى والهدي المستقيم ، وما دام
يعمل لله بنية حسنة ، ويراجع قلبه وإخلاصه
حينا بحين .
يقول أحد المختصين في التاريخ عن كتاب (
سيرة أمير المؤمنين خامس الخلفاء الراشدين
الحسن بن علي بن أبي طالب، شخصيته وعصره
) يقول : " لم يكتب أحد من أهل السنة ولا
الشيعة كتابا في الإمام الحسن كمثل كتاب
الصلابي " . إن هذا بحق مفرخة للعلم
والدعوة الإسلامية في كل مكان
.
عندما طبع كتاب الإمام علي بن أبي طالب
، قال بعض طلبة العلم " إن هذا الكتاب سوف
يولد مشكلة بين الشيعة والسنة في هذا
الوقت ، وليس من اللائق طبعه ! " وتمضي
سنة الله ويطبع الكتاب وينتشر في كل
العراق ، بل وتتغير عقائد بعض الشيعة
ليدخلوا في أهل السنة
! .
إن من التجارب الحية التي يعلمنا إياها
الدكتور علي الصلابي بأن المرء عليه المضي
في دربه من غير أن يلتفت ولو هنيهة للوراء
، وأن يكون متواضعا ، حنون السجايا مع ما
يلقاه من عنت وحسد ، فقد كان الأخ الحبيب
علي الصلابي يرسل كتبه قبل الطبع لإخوانه
يأخذ رأيهم فيها ، برغم مشقات البريد ،
ومع ذلك لا يزال الأخ الحبيب المتواضع ،
طيب القلب .
إن مشروع الدكتور علي الصلابي الضخم لن
يقف عند التاريخ ، بل الطموح أن يبدأ في
تناول موضوعات مهمة في القرآن الكريم ،
ونتمنى له التوفيق والسداد والقبول فيها ،
كما كان القبول للكتب التاريخية الضخمة ،
وكل هذا يصب في تربية الأجيال المؤمنة في
ليبيا الحبيبة وفي كل الأمة ، وقد ظهرت
بشائر تدل على التفاف الشباب المؤمن حول
هذه الكتب ، واعتمادها من قبل بعض
المؤسسات التربوية في مناهجها
. |